العلامة المجلسي
6
بحار الأنوار
على قبائل العرب في كل موسم ، ويكلم كل شريف قوم لا يسألهم مع ذلك إلا أن يؤووه ويمنعوه ، ويقول : لا أكره أحدا منكم على شئ ، من رضي منكم بالذي أدعوه إليه فذاك ، ومن كره لم أكرهه ، إنما أريد أن تحرزوني مما يراد بي من القتل حتى أبلغ رسالات ربي ، وحتى يقضي الله عز وجل لي ولمن صحبني بما شاء الله ، فلم يقبله أحد منهم ، ولم يأت أحدا من تلك القبائل إلا قال : قوم الرجل أعلم به ، أترون أن رجلا يصلحنا وقد أفسد قومه ولفظوه ؟ فلما توفي أبو طالب اشتد البلاء على رسول الله صلى الله عليه وآله أشد ما كان ، فعمد لثقيف بالطائف رجاء أن يؤووه فوجد ثلاثة نفر منهم هم ساداة ثقيف يومئذ وهم إخوة : عبد ياليل بن عمرو ، وحبيب ابن عمرو ، ومسعود بن عمرو ، فعرض عليهم نفسه وشكا إليهم البلاء وما انتهك منه قومه ، فقال أحدهم : أنا أسرق أستار الكعبة إن كان الله بعثك بشئ قط ، وقال الآخر : أعجز على الله أن يرسل غيرك ؟ وقال الآخر : والله لا أكلمك بعد مجلسك هذا أبدا ، والله لئن كنت رسول الله لانت أعظم شرفا من أن أكلمك ، ولئن كنت تكذب على الله لانت شر من أن أكلمك ، وتهزؤوا به ، وأفشوا في قومهم الذي راجعوه به ، فقعدوا له صفين على طريقه ، فلما مر رسول الله صلى الله عليه وآله بين صفيهم كان لا يرفع رجليه ولا يضعهما إلا رضخوهما بالحجارة ، وقد كانوا أعدوها حتى أدموا رجليه ، فخلص منهم ورجلاه تسيلان الدماء ، فعمد إلى حائط من حوائطهم واستظل في ظل حبلة ، ( 1 ) وهو مكروب موجع ، فإذا في الحائط عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، فلما رآهما كره مكانهما لما يعلم من عداوتهما لله ولرسوله ، ولما رأياه أرسلا إليه غلاما لهما يدعى عداس وهو نصراني من أهل نينوى معه عنب ، فلما جاءه عداس قال له رسول الله صلى الله عليه وآله : من أي أرض أنت ؟ قال : أنا من أهل نينوى ، فقال صلى الله عليه وآله : من مدينة الرجل الصالح يونس بن متى ؟ فقال له عداس : وما يدريك من يونس بن متى ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله - وكان لا يحقر أحدا أن يبلغه رسالة ربه - : أنا رسول الله ، والله تعالى أخبرني خبر يونس بن متى ، فلما أخبره بما أوحى الله إليه
--> ( 1 ) حبله : شجر العنب أو قضبانه . وفى المصدر ، في ظل شجرة منهم .